اخوي عنده متلازمه

الجزء الثاني والأخير من القصة
​قرب نصر من ودني، وصوته كان بيرتعش مع كل نفس بيطلعه، وقال لي بصوت واطي ومبحوح كأنه بيفرغ سر تقيل على قلبه:
– “الريحة مش من السقف يا نعيم… ولا من الأكل… الريحة طالعة من جيبك! الفلوس اللي في جيبك ريحتها وحشة أوي يا نعيم… نضف بيتك منها عشان ريحتك تبقى حلوة!”
​الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. حاسيت بدمي اتجمد في عروقي، ورجليا مش شايلاني. نصر ساب إيدي ورجع استخبى ضهر أمي وهو بيعيط في صمت، وأمي بصت لي بقلة حيلة ومش فاهمة حاجة، وأخدته ومشيت.
​وقفت في الشارع زي التمثال، الكلام بيرن في ودني: “الفلوس اللي في جيبك ريحتها وحشة أوي!”
​مديت إيدي في جيبي بالراحة، وطلعت رزمة الفلوس اللي كنت لسه قابضها إمبارح… فلوس الجمعية اللي مسكتها في شغلي بالهيئة. أنا شغال محاسب في شركة مقاولات كبيرة، وقبلها بأسبوع بس، أكسبي المحاسب الكبير عرض عليا أعدي صفقة مواد بناء مغشوشة مقابل “إكرامية” محترمة، وقال لي وقتها: “يا نعيم كل الناس بتعمل كده، والعيال أولى بالقرشين دول!”
​ضعفت… وأخدت الفلوس. كانت أول مرة في حياتي أمد إيدي على قرش حرام. ومن اليوم ده، دخلت الفلوس دي بيتي، واشتريت منها أكل وكسوة، وعملت منها عزومة إمبارح…
​نصر بنقاء روحه وبركته، اللي ربنا جرد قلبه من غش الدنيا، ما كانش بيشم معطر ولا ديتول… كان بيشم ريحة الحرام اللي دخلت بيتي ولوثت أكلي وأهل بيتي!
​نزلت على ركبي في الشارع وبكيت بكاء عمري ما بكيته في حياتي. عرفت إن ربنا بعت لي نصر رحمة بيّ، عشان يفوقني قبل ما أتسحل في طريق مالوش رجعة.
​جريت على الشركة، دخلت على المدير ورجعت الفلوس كاملة وقلت له: “أنا مستقيل، ومستعد أتحمل أي إجراء بس مش هدخل قرش حرام على عيالي تاني.” المدير اتفاجئ من موقفي ورفض يقبل الاستقالة لما شاف صدقي، وقرر يفتح تحقيق في الصفقة ويرجع الحق لأصحابه.
​طلعت من الشركة حاسس إن جبل انشال من على صدري. رجعت البيت، استغفرت ربنا، وتوضيت وصليت ركعتين بنية التوبة. ولما جيت العصر، أخدت مراتي وعيالي ورحت لبيت أمي.
​أول ما دخلت، نصر كان قاعد في الصالة. قربت منه، وجثيت على ركبي قدامه، وطلعت إيديه وبستها.
نصر بص لي، وابتسم ابتسامته الصافية اللي بترد الروح، وقرب مني، اتنفس بجمبي وقال:
– “الله يا نعيم… ريحة بيتك بقت حلوة أوي دلوقتي… خلاص نضفت بيتك!”
​حضنته وبكيت، وعرفت إن بركة “الطيبين” مش كلام… دي أنوار بيختص بيها ربنا القلوب الصافية عشان تنور طريق الضالين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *