الأميرة المتخفية
الجزء الثاني: كسر الصمت ونداء العاصفة
ارتطم جسد داليا بالأرضية الخشبية الباردة حين ألقاها الحراس كج\ثة هامدة داخل الغرفة العلوية المهجورة في أقصى ممر القصر. استقر صوت صرير المفتاح وهو يدور في القفل مرتين كإعلان لعزلتها التامة عن العالم، قبل أن تبتلع العتمة المكان.
مرت ساعات الليل ثقيلة خانقة. كانت أصوات الضحكات والموسيقى الصاخبة من بهو الاحتفال في الأسفل تتسرب خافتة عبر الجدران، لتزيد من وطأة القهر. كانت كل خلية في جسدها تنبض بالألم؛ جراح ظهرها تنزف ببطء وثوبها الممزق التصق بجلدها المحترق، ومعصماها تحولا إلى اللون الأزرق القاتم من وطأة الحبال الغليظة.
حين سكن كل شيء في القصر وخيّم صمت القبور بعد منتصف الليل، فتحت داليا عينيها المثقلتين بحمى الوجع. لم تكن هناك دموع هذه المرة؛ فقد جفت المآقي وتحولت إلى بريق غامض من الإصرار البارد.
استجمعت ما تبقى من شتات قوتها، وبدأت تزحف ببطء شديد على بطنها فوق الأرضية المتربة. كانت الأنفاس تخرج منها متقطعة كحشرجة احتضار، وكل إنش تقطعه يكلفها صرخة تكتمها بين أسنانها حتى سال الدم من شفتها السفلى. لم تكن تبحث عن ماء ولا دواء؛ كان هدفها زاوية معتمة خلف خزانة قديمة متآكلة في ركن الغرفة.
وصلت بعد دقائق بدت كسنوات. مدت يدها المرتجفة خلف لوح خشبي سفلي مخلوع، وتحسست تجويفاً سرياً لم يقترب منه أحد منذ وطأت قدماها هذا البيت. سحبت صندوقاً صغيراً أسود اللون، فتحته بأنامل مرتعشة لتجد الهاتف الصغير المشفر، المغلق منذ ثلاث سنوات كاملة.
مررت إبهامها على زر التشغيل.. ومضت الشاشة بنور أزرق خافت، لتظهر شاشة اتصال لا تحتوي سوى على رقم واحد محفور في ذاكرتها بحروف من نار: يحيى.
ثلاث سنوات مضت منذ أن وقفت أمام أخيها الأكبر، زعيم عائلة السيوفي والاسم الذي ترتعد له فرائص كبار رجال الأعمال، تترجاه أن يتركها تخوض تجربة الحياة بمفردها، بعيداً عن حراساتهم المشددة ونفوذهم الطاغي، لتعيش قصة حب اعتقدت أنها نقية مع رجل ظنته سنداً. كان شرط يحيى الوحيد يومها حازماً كحد السيف: «لو انكسرتِ.. رنة واحدة منكِ هتقلب الدنيا».
واليوم، لم تنكسر فحسب، بل داس طارق وعائلته على كرامتها أمام العشرات كأنها جارية لا ثمن لها.