صدمة حماتي الاخيره

الجزء الثاني والأخير (صدمة حياتي)
​رجعت أوضة 702 وأنا حاسة ببرود غريب مالي قلبي، برود أول مرة أحسه في حياتي بعد سنين من الخوف والتردد. أول ما دخلت، لقيت أحمد قاعد جنب أمه وهي نايمة، والتوتر واكل وشه. أول ما شافني، قام ووقف بسرعة وقال بنبرة واطية بس مليانة أمر:
— كنتِ فين يا مروة؟ الدكاترة قالوا إن العملية اتأجلت كام ساعة بس عشان ضغط أمي ينضبط، اجهزي عشان لما ينادوا عليكي.
​بصيت له وبسمة خفيفة، باردة جداً، اترسمت على وشي:
— كنت بشتري شوية حاجات يا أحمد، متقلقش… كل حاجة هتاخد مسارها الصح النهارده

 


​مرت الساعات، وضغط الحاجة أمينة اتضبط. جم الممرضين وأخدوها لغرفة العمليات الأول عشان يجهزوها، وأنا فضلت واقفة بره. أحمد كان رايح جاي في الطرقة، عينه في الموبايل بيبعت رسايل، وأكيد كانت لـ “دنيا”. مكنش يعرف إن اللعبة انتهت، وإني خلاص سحبت موافقتي رسمياً والورقة المعتمدة بختم المستشفى وبإمضائي بقت جوه شنطتي.
​بعد أقل من نص ساعة، خرج الدكتور المسؤول عن زراعة الأعضاء من العمليات، ووشه مستغرب. أحمد جري عليه بلهفة:
— خير يا دكتور؟ العملية بدأت؟ أومال مروة مكلّمتش ليه تدخل؟
​الدكتور بصله ببرود وقال:
— المدام مروة سحبت موافقتها على التبرع بشكل رسمي وقانوني الصبح يا أستاذ أحمد. إحنا دخلنا الوالدة نجهزها على أساس إن التبرع قايم، لكن السيستم بلغنا بالرفض النهائي. مفيش عملية لزراعة الكلية النهارده، وتقدروا تتفضلوا تخرجوا الوالدة أول ما تفوق من تأثير المخدر الخفيف.
​أحمد وقف مكانه كأن صاعقة ضربته. وشه اتخطف، والدم هرب من عروقه. لف وبصلي وعينه بتطلع شرار، وجري عليا مسكني من كتفي بغل وهو بيوشوش بصوت مرعوب ومجنون:

 

— إنتِ عملتي إيه؟! إنتِ اتجننتي؟! إنتِ عايزة تموتي أمي؟ إنتِ هضيعينا وهتضيعي نفسك!
​شلت إيده من على كتفي بهدوء شديد وبقوة عمري ما كنت أعرف إني أملكها، وقولتله:
— صوتك ميعلاش هنا يا أحمد. أمك مش هتموت، هتمشي على الغسيل الكلوي زي آلاف المرضى لحد ما تلاقوا متبرع تاني… ده لو لقيتوا حد يرضى يديكم ضفره بعد اللي بتعملوه في الناس.

 

​— هطلقك! والله العظيم هرميكي في الشارع ومش هتاخدي مليم واحد! الشركة باسمي، والبيت باسمي، وإنتِ ملكيش ورقة واحدة تثبت إنك ليكِ حق في جنية!
​طلعت موبايلي وفتحت التسجيل الصوتي لـ كلامه مع دنيا الصبح، وشغلت المقطع قدام وشه. أحمد لما سمع صوته وهو بيقول: “استغليناها عشر سنين… هرمي لمروة ورقة الطلاق ومش هتاخد ولا جنية”، ركبه سابت وعرق بغزارة.
​وقبل ما ينطق، فتحت شنطتي وطلعت منها ملف مطبوع:

— ودي بقى يا أحمد، كشوفات التحويلات البنكية لشركتك الوهمية في التجمع، وفواتير الفنادق والمجوهرات اللي مدفوعة من حساب الشركة الأساسي اللي أنا شريكة فيه بجهدي وشقايا. دي توديك في داهية بتهمة اختلاس مالي متهرب من الضرائب، ده غير قض*ية “الكد والتعسف” اللي هرفعها وأطالب فيها بنصيبي من أرباح الـ 10 سنين اللي كنت بشيل فيهم الكراتين بإيدي وأنا بشتغل محاسبة وسكرتيرة وعاملة بلاش.
​سكت تماماً، ومبقاش قادر ينطق بحرف واحد.
​في الوقت ده، الممرضة خرجت وقالت إن الحاجة أمينة بدأت تفوق وتقدروا تدخلوا تشوفوها.

​دخلنا الأوضة. الحاجة أمينة فتحت عينيها وهي لسه دايخة وتعبانة من البنج الخفيف اللي أخدته قبل ما يلغوا العملية. بصتلي بكل كبرياء وغل، وشاورتلي بصباعها وهي بتشاور على الباب وقالت بضعف بس بنبرة سمّية:
— خلاص… إنتِ عملتي اللي عليكي. طالما ادّتيني كليتك، يبقى دورك خلص. لُمّي هدومك وامشي من العيلة دي.. مش عايزه أشوف وشك تاني، ابني يستاهل ست أحسن منك.
​بصيت لأحمد اللي كان واقف وشه أصفر وجسمه بيترعش، وساكت تماماً مش قادر يتكلم، لأنه عارف المصيبة اللي مستنياه بره.
​ضحكت بصوت مسموع، ضحكة رنت في الأوضة وضايقت حماتي جداً. قربت من سريرها، ووطيت عليها وقولت لها بنبرة هادية وواضحة:

— كليتي لسه جوايا يا حاجة أمينة… هعيش بيها وأموت بيها وهي سليمة في جسمي. الصبح أنا سحبت موافقتي للأبد.
​حماتي برقت عينيها بصدمة، وبصت لأحمد كأنها بتستنجد بيه:

— أحمد! بتقول إيه دي؟ فين كليتي؟!
​أحمد وطى راسه في الأرض ومطقش.
​كملت كلامي وأنا ببص لها بثقة:
— والشوربة اللي رميتيها في الحوض زمان عشان ريحتها “أرياف”، والكسرة اللي كسرتيها في قلب أمي الغالية، ربنا ردها لكِ النهارده. ابنتك وحبيبك اللي كنتِ بتخططي معاه يرميني في الشارع بعد ما آخد كليتي، هيمضي على تنازل بنصف أملاكه والشركة ليا برضا نفسه، وإلا السجن مستنيه… وطبعاً جوازته الجديدة من بنت المستثمر طارت في الهوا بعد الفضايح دي.

​التفت لأحمد وقولتله بلهجة حاسمة:
— قدامك 24 ساعة يا أحمد، محامين يتقابلوا، وتكتبلي نصيب العششر سنين من شقايا وتطلقني للضرر غيابي، وإلا ورق الاختلاس والتسجيلات هتروح للنيابة ولأبو “دنيا” حبيبة القلب عشان يعرف بنته كانت هتتجوز مين.
​شنطتي كانت في إيدي، لفيت ضهري ومشيت بخطوات ثابتة وسريعة. لأول مرة من 10 سنين أحس بالهوا وهو بيدخل صدري بجد. مكنتش زعلانة على السنين اللي راحت، كنت فرحانة بالست الجديدة اللي اتولدت من وسط الوجع.

​خرجت من المستشفى، ركبت تاكسي، وكلمت أمي في التليفون وقولتلها:
— جهزيلي نفسك يا أمي… أنا جاية وهعملك أحلى أكله بإيدي، والمرة دي هناكلها وإحنا راسنا مرفوعة في السما.
​تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *