مكلمة ابني الاخير كامله
حبّات العرق الباردة بدأت تتسلل على جبين حازم، والويتر واقف فوق رأسه بنظرة مهذبة بس حادة، مستني التصرف. نهى ضحكتها اختفت فجأة، وبدأت تبص لحازم بقلق: “في إيه يا حازم؟ المكنة مالها؟”
حازم حاول يداري ارتباكه، وطلع كارت تاني، وثالث.. وكلهم يرجعوا بنفس النتيجة: “العملية مرفوضة”. البنك جمد كل كروته لأن حسابه الجاري بقى بالسالب بعد ما نزل عليه قسط الشقة كامل لأول مرة من 3 سنين، والسيستم اعتبره “متعثر”.
اضطر حازم في النهاية يلم كل الكاش اللي في جيبه، ويخلي نهى تطلع الفلوس اللي في شنطتها عشان يلموا حق الشيك وسط نظرات الويترز والزبائن اللي حواليهم. خرجوا من المطعم والجو مشحون تماماً.
المفاجأة الصادمة في البيت
أول ما وصلوا شقتهم في حدائق الأهرام، حازم قعد على الكنبة يمسك دماغه، ونهى بدأت تتذمر: “هو في إيه يا حازم؟ إزاي كروتك كلها تقف كدة؟ إحنا مبهدلين الدنيا مصاريف ومأنتخين على أساس إن مرتبك مكفينا ويفيض!”
حازم بتوتر: “مش عارف يا نهى، رسالة البنك بتقول إن قسط الشقة اتخصم من حسابي.. 7500 جنيه!”
نهى برقت عينيها: “قسط إيه اللي اتخصم من حسابك؟! مش أنت قايل لي إن الشقة دي متسددة من زمان تبع شركة باباك الله يرحمه؟!”
هنا حازم سكت.. الوش الحقيقي بدأ ينكشف. هو مكانش يعرف إن أمه بتدفع، كان فاكر إنها ترتيبات قديمة من والده، بس الحقيقة المرة صدمته: أمه كانت الحيطة اللي سانداهم، والحيطة دي اتهدت بكلمة منه.
المكالمة الضائعة
حازم مسك تليفونه بسرعة، وبدأ يتصل بأمه..
المرة الأولى.. التليفون بيرن ومحدش بيرد.
المرة الثانية.. نفس الشيء.
في المرة الثالثة.. التليفون اتفتح، بس مفيش صوت. حازم اتكلم بسرعة وبتلعثم:
”أمي.. إزيك يا أمي؟ بقولك إيه.. هو قسط الشقة بتاع حدائق الأهرام.. هو أنتِ كنتِ بتدفعيه؟ أصل البنك سحبه من حسابي وكروتي وقفت..”
جاءه صوت من الناحية التانية.. بس مش صوت أمه. ده صوت راجل وقور وهادي:
“أهلاً يا حازم يا بني.. أنا الأستاذ فاروق، المحامي بتاع والدتك، وصديق والدك المرحوم عبد الحميد.”
حازم قلبه سقط في رجليه: “محامي؟ وأمي فين؟ فين أمي يا متر؟”
المحامي رد بنبرة حاسمة خالية من المشاعر:
”والدتك بخير يا بني.. بس هي كلفتني أبلغك بـ 3 حاجات مفيش فيهم رجوع:
أولاً: الأمر المستديم الخاص بقسط شقتك اتلغى نهائياً، ومن هنا ورايح أنت المسؤول عن شقتك وعن برستيجك قدام مراتك.
ثانياً: الشقة القديمة اللي والدتك قاعدة فيها في المنيل.. دي كانت مكتوبة باسمك وباسم أختك مناصفة، ووالدتك قررت تبيع نصيبها لـ أختك، وهي حالياً بتجهز ورق السفر عشان هتقضي بقية حياتها برا مصر مع أختك وأولادها اللي بقالهم سنين بيتحايلوا عليها تيجي تعيش معاهم في عز واحترام.
ثالثاً والأهم: والدتك بتقولك.. “براحتك أنت ومراتك في شقتكم.. ريحة التقلية والفراخ البلدي مش هتعتب بابكم تاني، بس ريحة الأصل.. حاول تشتريها بفلوسك لو عرفت”.”
الانهيار
حازم سمع صوت قفلة الخط.. والمرة دي الصوت مكانش رنين في الصالة الفاضية، الصوت كان مسمع في دماغه هو.
بص لنهى اللي كانت واقفة مستنية تسمع حل للمصيبة المادية اللي هم فيها، وبص للشقة الواسعة اللي فجأة حس إن جدرانها بتضيق عليه.
الـ 7500 جنيه بتوع كل شهر مكانوش مجرد رقم.. دول كانوا اللقمة اللي أمه بتوفرها من بوقها، والفسحة اللي بتحرم نفسها منها عشان “حازم ومراته يعيشوا في مستوى كويس”.
الشهر الجاي مش هيبقى فيه خروج في التجمع، ولا فساتين ستان، ولا كارت بلاتينيوم يترمي بثقة على الترابيزة. من اليوم وطالع، حازم ونهى هيواجهوا الحياة بوشها الحقيقي المقشف.. الوش اللي أمه كانت مخبياه عنهم بقلبها الكبير اللي قرر فجأة.. إنه يقفل للآبد.