بيت امي ٣

أبويا حط التليفون على ودنه، والسكوت عمّ الصالة ومفيش غير صوت أنفاسه العالية والغاضبة. ثواني ولقيته أخد نفس طويل، وزعق في التليفون بكل قوته:

ـ أيوة يا أحمد!.. بقا إنت تطلع بالندالة دي؟ ده أنا قولت عليك راجل وهتصون بنتي! بقا تكسر بقلبها وتتلوى وتتجوز من وراها وكمان تكلمها بالبرود ده؟!

سكت أبويا لحظة وهو بيسمع رد أحمد، وملامحه كانت بتزداد قسوة وغضب. فجأة أبويا قاطعه بزعيق أعلى:

ـ ما تقوليش نصيب! بنات الناس مش لعبة في إيدك تجرب فيهم النسيان ولما تزهق ترميهم! بنتي حرة، والبيت اللي اتهد ده مش هيدخله ضفرها تاني.. إنت سامع؟! حقوقها كاملة هتوصلها لحد عندها، وإنت مالكش كلام معانا تاني، حسابي معاك هيبقى تقيل يا أحمد!

أبويا قفل السكة في وشّه بعنف، وهو بينهج من كتر العصبية. رمى التليفون على الطربيزة وبصلي، ونبرة صوته اتغيرت تماماً؛ اِتحولت من الغضب لحنان أبوي دافي، قرب مني وقعد جمبي، وأخدني في حضنه وهو بيطبطب على ظهري:

ـ ما تبكيش يا أسماء..، هو ما يسواش دمعه واحظه من عينك دى . ورب العزة لأجيب لك حقك تالت ومتلت، والباب اللي اتقفل وراكِ، هيتفتح لك مكانه ألف باب للأمان. طول ما أنا عايش على وش الدنيا، راسك هتفضل مرفوعة.

كلام أبويا كان زي المرهم اللي اتحط على جرح بيغلي. اتندت برأسي على كتفه، وأمي قعدت الناحية التانية وهي بتملس على شعري وبتدعيلي. حسيت إن رغم الكسرة والصدمة، ورغم إن حياتي اللي فاتت اتهدت، إلا إن هنا.. في البيت ده، لسه فيه أرض صلبة أقدر أقف عليها من تاني.

مرت الأيام ورا الأيام، والبيت اللي اتربيت فيه بقا هو حصني الوحيد. في الأول، كنت بحس إن كل ركن في أوضتي القديمة بيفكرني بأسماء البنت اللي خرجت من هنا بفستانها الأبيض والضحكة مالية وشها، وبيصعب عليا نفسي وأنا شايفة “أسماء” الحالية.. المكسورة، اللي بتصحى من النوم على كابوس الكلمة اللي اتقالتلها في التليفون.

أحمد حاول يتصل بأبويا كذا مرة، وبعت ناس من قرايبه عشان “يهدوا النفوس” ويقولوا إن الستات بتستحمل، وإن البيت ميتخربش من أول جوازة، لكن أبويا كان زي السد المنيع. كان رده دايماً كلمة واحدة: “بنتي مش تكمّلة عدد، ولا داير سبرتو عشان ينسى فيها قديمه. حقوقها تيجي، والطلاق يتم بالمعروف، غير كدا مفيش كلام.”

بعد أسبوعين من المحاولات والمشاحنات، وبفضل وقفة أبويا وإصراره، أخدت كل حقوقي القانونية والمادية، وتم الطلاق.

يوم ما ورقة طلاقي وصلت في إيدي، فضلت باصة لها كتير. مكانتش مجرد ورقة، دي كانت شهادة وفاة لفصل من عمري، وفي نفس الوقت كانت طوق النجاة اللي رجع لي حريتي وكرامتي اللي اتهدروا في مكالمة نص الليل.

وقفت قدام مرايتي، بصيت لملامحي اللي دبلت من الحزن، وأخدت نفس طويل قوي.. نفس حقيقي ومكتمل لأول مرة من يوم الصدمة. مسحت دموعي الأخيرة، وقولت لنفسي: “الحكاية منتهتش يا أسماء.. الحكاية الحقيقية لسه هتبدأ انهارده، بس المرة دي وأنا البطلة الوحيدة، ومن غير ما أكون مجرد محاولة نسيان في حياة حد.”

 

عدت الشهور، والوقت اللي كان بيمر عليا في الأول زي السكاكين، بدأ يداوي الجروح واحدة واحدة. نزلت من قوقعتي وقررت إن الحياة مش هتقف عند محطة إنسان ماعرفش قيمتي. رجعت لشغلي، وركزت كل طاقتي ومجهودي فيه، وبقيت بملى يومي بحاجات بحبها.. بالقراءة، بالخروج مع أهلي، وبترتيب أولوياتي من جديد.

اكتشفت في الفترة دي إن الوجع بيقوّي، وإن الكسرة اللي كنت فاكراها النهاية، كانت مجرد نقطة ومن أول السطر عشان أعيش لنفسي وللناس اللي بجد بيحبوني وصاينيني.

وفي يوم، كنت ماشية في مكان عام بخلص مشوار تبع الشغل، ولمحت من بعيد ملامح عارفاها كويس.. كان أحمد.

خطواتي هديت تلقائيًا وأنا ببص عليه. كان واقف مع نادين. بس الغريبة إن المشهد مكانش فيه أي حاجة من “الحب الأسطوري” اللي هدم بيته علشانه. كانوا واقفين بيتخانقوا بصوت عالي، ملامحه كانت متوترة وعينه مليانة زهق وضيق، وهي كانت بتتكلم بنبرة حادة وبتشوح بإيدها، مفيش أي أثر للراحة أو السعادة اللي كان فاكر إنه هيلاقيها معاها.

وقفت في مكاني لثواني، وبصيتالهم ببرود تام. حسيت فجأة بس*كينة غريبة بتملى قلبي، وعرفُت إن ربنا جاب لي حقي من غير ما أعمل حاجة. أحمد كان فاكر إنه لما يرجع للماضي هيعيش الجنة اللي فاتته، ونسي إن الماضي بيموت لما بنحاول نعيشه بالعافية وعلى حساب أذية ناس تانية. هو ملقاش الحب، هو بس لقى وهم كان هيموت عليه، ولما بقا في إيده، اِكتشف الحقيقة.

لفيت وشي ومشيت بخطوات ثابتة وسريعة، والابتسامة مرسومة على وشي. مفيش جوايا أي شماتة، بس جوايا راحة ويقين إن الدايرة دارت، وإن اللي يبيع الأمان الصادق عشان أوهام، مابيلقاش في الآخر غير السراب.

سبتهم ورايا وكملت طريقي للمستقبل اللي ببنيه بإيدي، وأنا راضية ومطمنة، وممتنة لكل درس خلاني أبقى “أسماء” القوية بتاعت انهارده.

بعد سنة كاملة من اليوم اللي حياتي فيه اتقلبت، كنت واقفة في المطبخ عند أمي، بنجهز سوا غدا يوم الجمعة والبيت مليان بدفا العيلة ولمتهم. الجرس رن، أمي مسحت إيدها في المريلة وقالت: “خليكي يا أسماء هفتح أنا، تلاقيه أبوكي رجع من الصلاة.”

ثواني وسِمعت صوت حركة أمي وقفت عند الباب، وبعدها ساد سكات غريب ومقلق. طلعت من المطبخ وأنا بنشف إيدي، وبمجرد ما وصلت الصالة، رجلي اتسمرت في الأرض.

الراجل اللي واقف عند الباب مكانش أبويا.. كان أحمد.

بس مكانش أحمد اللي أنا عارفااه، ولا أحمد اللي قفل في وشي السكة بكل جبروت وبرود. كان واقف وشّه باهت، خسيس، هدومه مش بنفس الترتيب اللي كان بيجننه زمان، وعينه مطفية وفيها كسرة وعجز عمري ما شفتهم فيه. أول ما عينه جت في عيني، خطى خطوة لجوه خطوة مهزوزة كأنه شايل جبال على كتافه.

أمي وقفت في النص بيني وبينه، وملامحها اتملت قسوة وقالت بصوت حاد:

ـ إنت إيه اللي جابك هنا تاني يا أحمد؟ مابقاش ليك مكان ولا حق تعتب عتبة البيت ده! اِطلع بره قبل ما عمك ييجي من الصلاة وتشوف أيام مش هتعجبك!

أحمد مابصش لأمي، كان باصص لي أنا.. نظرة رجاء وتوسل خلتني أحس بقوتي لأول مرة قدامه. اتكلم بصوت حشرج ومبحوح:

ـ أرجوكي يا حماتي.. دقيقتين بس. دقيقتين أكلم أسماء، والله العظيم ما هعمل حاجة، أنا جاي أموت على إيدها بس تسمعني.

بصيت لأمي وهزيت راسي بهدوء، طمنتها إني قادرة أواجهه ومبقاش يفرق معايا. أمي بقيت تبص له بقرف ودخلت الأوضة جوه وسابت بابها موارب.

وقفت بعيد عنه، حاطة إيدي في جيب العباية وبقيت أبص له ببرود تام، برود أقوى من البرود اللي صدمني بيه زمان:

ـ عايز إيه يا أحمد؟ إيه اللي يفكرك بيا بعد السنين دي كلها؟ مش روحت لحياتك الحقيقية؟

أحمد منهارش علطول، هو اتكسر حتة حتة قدامي. نزلت دموعه وبدأ صوته يترعش، وقرب خطوة وهو بيترجاني بإيده:

ـ أنا كنت غبي.. كنت أعمى يا أسماء! الوهم عماني، افتكرت إن الماضي هو الجنة ونسيت إن الجنة الحقيقية كانت في إيدي وأنا اللي رفستها برجلي. نادين طلعت كابوس.. طلعت مابتفكرش غير في نفسها، مابتحبش غير حالها، لا صانتني ولا شالتني ولا عرفت تعمل لي بيت زي اللي إنتي كنتِ عاملاهولي. أنا عشت معاها سنة أسود من القطر، وكل يوم كنت بنام فيه، كنت بشوف وشك وإنتي مستنياني بالأكل وبتتخضي عليا..

ضحكت ضحكة وجع قديمة بس مليانة قوة وقاطعته:

ـ ودلوقتي افتكرت؟ جاي تقولي الكلام ده بعد ما هديتني؟ بعد ما قولتلي اتعلمي تأكلي من غيري وماتستنينيش؟

أحمد نزل على ركبه في وسط الصالة.. المنظر صدم كبريائه اللي كان دايماً فوق كل حاجة. مسك طرف الكرسي اللي جمبه وهو بيبكي بحرقة وشهقات عالية:

ـ أبوس إيدك يا أسماء سامحيني.. أنا مش جاي أقولك ارجعيلي، أنا عارف إني مستاهلكيش ومستاهلش ضفرك، أنا بس هتموتني الحسرة لو مسمعتش منك كلمة “مسامحاك”. أنا حياتي اتدمرت، وشغلي باظ، والندم بياكل في قلبي وعقلي كل ثانية. ارجعيلي يا أسماء، اعتبريني خدام تحت رجلك، بس اِرحميني من نار الندم!

بصيت له وهو على ركبه تحت رجلي. اللحظة دي كنت دايماً بتخيلها في أول شهور الكسرة، كنت بتمناها عشان أشفي غليلي، بس لما حصلت.. ملقتش جوايا غير شفقة على إنسان ضيّع نفسه بإيده. مبقتش حاسة بغل، ولا كره، ولا حتى رغبة في الانتقام.

أخدت نفس طويل قوي، وقولتله بنبرة هادية وثابتة زي الصخر:

ـ قوم يا أحمد.. قوم عشان المنظر ده مايليقش بيك ولا بيّا. أنا مش هقولك إني دعيّت عليك، بس هقولك إن ربنا استجاب لدموعي اللي نزلت في ليلة فرحك. أنا سامحتك.. سامحتك مش عشانك، سامحتك عشان أسماء تستحق تعيش نظيفة من جوه ومن غير غل يشوهها. بس رجوع؟ إنت متخيل إن القصر اللي اتهد ممكن يرجع حتة أرض فضية تاني؟ إنت بقيت بالنسبة لي ماضي.. صفحة وانطوت واتقفل عليها، زي ما قولتلي بالظبط.

أحمد رفع رأسه وبصلي ودموعه مغرقة وشه، كان بيتمنى نظرة أمل واحدة، بس ملقاش في عيني غير الفراغ التام.

ـ كمل حياتك يا أحمد، وشيل شيلتك لوحدك زي ما أنا شيلت شيلتي لوحدي. ودلوقتي اتفضل.. عشان أبويا زمانه على الباب، وأنا مش حابة يوم الجمعة بتاعنا يتكدر بوجودك.

لفيت ضهري ودخلت المطبخ من غير ما أبص ورايا، وسِمعت صوت خطواته التقيلة وهي بتتحرك لباب الشقة، وصوت الباب وهو بيتقفل وراه.. المرة دي، اتقفل للأبد وهو سّايب وراه راجل مكسور، وست واقفه على رجلها بقوة وعمرها ما هتنحني تاني.

 

أيوة يا أحمد!.. بقا إنت تطلع بالندالة دي؟ ده أنا قولت عليك راجل وهتصون بنتي! بقا تكسر بقلبها وتتلوى وتتجوز من وراها وكمان تكلمها بالبرود ده؟!
سكت أبويا لحظة وهو بيسمع رد أحمد، وملامحه كانت بتزداد قسوة وغضب. فجأة أبويا قاطعه بزعيق أعلى:
ـ ما تقوليش نصيب! بنات الناس مش لعبة في إيدك تجرب فيهم النسيان ولما تزهق ترميهم! بنتي حرة، والبيت اللي اتهد ده مش هيدخله ضفرها تاني.. إنت سامع؟! حقوقها كاملة هتوصلها لحد عندها، وإنت مالكش كلام معانا تاني، حسابي معاك هيبقى تقيل يا أحمد!
أبويا قفل السكة في وشّه بعنف، وهو بينهج من كتر العصبية. رمى التليفون على الطربيزة وبصلي، ونبرة صوته اتغيرت تماماً؛ اِتحولت من الغضب لحنان أبوي دافي، قرب مني وقعد جمبي، وأخدني في حضنه وهو بيطبطب على ظهري:
ـ ما تبكيش يا أسماء..، هو ما يسواش دمعه واحظه من عينك دى . ورب العزة لأجيب لك حقك تالت ومتلت، والباب اللي اتقفل وراكِ، هيتفتح لك مكانه ألف باب للأمان. طول ما أنا عايش على وش الدنيا، راسك هتفضل مرفوعة.
كلام أبويا كان زي المرهم اللي اتحط على جرح بيغلي. اتندت برأسي على كتفه، وأمي قعدت الناحية التانية وهي بتملس على شعري وبتدعيلي. حسيت إن رغم الكسرة والصدمة، ورغم إن حياتي اللي فاتت اتهدت، إلا إن هنا.. في البيت ده، لسه فيه أرض صلبة أقدر أقف عليها من تاني.
مرت الأيام ورا الأيام، والبيت اللي اتربيت فيه بقا هو حصني الوحيد. في الأول، كنت بحس إن كل ركن في أوضتي القديمة بيفكرني بأسماء البنت اللي خرجت من هنا بفستانها الأبيض والضحكة مالية وشها، وبيصعب عليا نفسي وأنا شايفة “أسماء” الحالية.. المكسورة، اللي بتصحى من النوم على كابوس الكلمة اللي اتقالتلها في التليفون.
أحمد حاول يتصل بأبويا كذا مرة، وبعت ناس من قرايبه عشان “يهدوا النفوس” ويقولوا إن الستات بتستحمل، وإن البيت ميتخربش من أول جوازة، لكن أبويا كان زي السد المنيع. كان رده دايماً كلمة واحدة: “بنتي مش تكمّلة عدد، ولا داير سبرتو عشان ينسى فيها قديمه. حقوقها تيجي، والطلاق يتم بالمعروف، غير كدا مفيش كلام.”
بعد أسبوعين من المحاولات والمشاحنات، وبفضل وقفة أبويا وإصراره، أخدت كل حقوقي القانونية والمادية، وتم الطلاق.
يوم ما ورقة طلاقي وصلت في إيدي، فضلت باصة لها كتير. مكانتش مجرد ورقة، دي كانت شهادة وفاة لفصل من عمري، وفي نفس الوقت كانت طوق النجاة اللي رجع لي حريتي وكرامتي اللي اتهدروا في مكالمة نص الليل.
وقفت قدام مرايتي، بصيت لملامحي اللي دبلت من الحزن، وأخدت نفس طويل قوي.. نفس حقيقي ومكتمل لأول مرة من يوم الصدمة. مسحت دموعي الأخيرة، وقولت لنفسي: “الحكاية منتهتش يا أسماء.. الحكاية الحقيقية لسه هتبدأ انهارده، بس المرة دي وأنا البطلة الوحيدة، ومن غير ما أكون مجرد محاولة نسيان في حياة حد.”

عدت الشهور، والوقت اللي كان بيمر عليا في الأول زي السكاكين، بدأ يداوي الجروح واحدة واحدة. نزلت من قوقعتي وقررت إن الحياة مش هتقف عند محطة إنسان ماعرفش قيمتي. رجعت لشغلي، وركزت كل طاقتي ومجهودي فيه، وبقيت بملى يومي بحاجات بحبها.. بالقراءة، بالخروج مع أهلي، وبترتيب أولوياتي من جديد.
اكتشفت في الفترة دي إن الوجع بيقوّي، وإن الكسرة اللي كنت فاكراها النهاية، كانت مجرد نقطة ومن أول السطر عشان أعيش لنفسي وللناس اللي بجد بيحبوني وصاينيني.
وفي يوم، كنت ماشية في مكان عام بخلص مشوار تبع الشغل، ولمحت من بعيد ملامح عارفاها كويس.. كان أحمد.
خطواتي هديت تلقائيًا وأنا ببص عليه. كان واقف مع نادين. بس الغريبة إن المشهد مكانش فيه أي حاجة من “الحب الأسطوري” اللي هدم بيته علشانه. كانوا واقفين بيتخانقوا بصوت عالي، ملامحه كانت متوترة وعينه مليانة زهق وضيق، وهي كانت بتتكلم بنبرة حادة وبتشوح بإيدها، مفيش أي أثر للراحة أو السعادة اللي كان فاكر إنه هيلاقيها معاها.
وقفت في مكاني لثواني، وبصيتالهم ببرود تام. حسيت فجأة بس*كينة غريبة بتملى قلبي، وعرفُت إن ربنا جاب لي حقي من غير ما أعمل حاجة. أحمد كان فاكر إنه لما يرجع للماضي هيعيش الجنة اللي فاتته، ونسي إن الماضي بيموت لما بنحاول نعيشه بالعافية وعلى حساب أذية ناس تانية. هو ملقاش الحب، هو بس لقى وهم كان هيموت عليه، ولما بقا في إيده، اِكتشف الحقيقة.
لفيت وشي ومشيت بخطوات ثابتة وسريعة، والابتسامة مرسومة على وشي. مفيش جوايا أي شماتة، بس جوايا راحة ويقين إن الدايرة دارت، وإن اللي يبيع الأمان الصادق عشان أوهام، مابيلقاش في الآخر غير السراب.
سبتهم ورايا وكملت طريقي للمستقبل اللي ببنيه بإيدي، وأنا راضية ومطمنة، وممتنة لكل درس خلاني أبقى “أسماء” القوية بتاعت انهارده.
بعد سنة كاملة من اليوم اللي حياتي فيه اتقلبت، كنت واقفة في المطبخ عند أمي، بنجهز سوا غدا يوم الجمعة والبيت مليان بدفا العيلة ولمتهم. الجرس رن، أمي مسحت إيدها في المريلة وقالت: “خليكي يا أسماء هفتح أنا، تلاقيه أبوكي رجع من الصلاة.”
ثواني وسِمعت صوت حركة أمي وقفت عند الباب، وبعدها ساد سكات غريب ومقلق. طلعت من المطبخ وأنا بنشف إيدي، وبمجرد ما وصلت الصالة، رجلي اتسمرت في الأرض.
الراجل اللي واقف عند الباب مكانش أبويا.. كان أحمد.
بس مكانش أحمد اللي أنا عارفااه، ولا أحمد اللي قفل في وشي السكة بكل جبروت وبرود. كان واقف وشّه باهت، خسيس، هدومه مش بنفس الترتيب اللي كان بيجننه زمان، وعينه مطفية وفيها كسرة وعجز عمري ما شفتهم فيه. أول ما عينه جت في عيني، خطى خطوة لجوه خطوة مهزوزة كأنه شايل جبال على كتافه.
أمي وقفت في النص بيني وبينه، وملامحها اتملت قسوة وقالت بصوت حاد:
ـ إنت إيه اللي جابك هنا تاني يا أحمد؟ مابقاش ليك مكان ولا حق تعتب عتبة البيت ده! اِطلع بره قبل ما عمك ييجي من الصلاة وتشوف أيام مش هتعجبك!
أحمد مابصش لأمي، كان باصص لي أنا.. نظرة رجاء وتوسل خلتني أحس بقوتي لأول مرة قدامه. اتكلم بصوت حشرج ومبحوح:
ـ أرجوكي يا حماتي.. دقيقتين بس. دقيقتين أكلم أسماء، والله العظيم ما هعمل حاجة، أنا جاي أموت على إيدها بس تسمعني.
بصيت لأمي وهزيت راسي بهدوء، طمنتها إني قادرة أواجهه ومبقاش يفرق معايا. أمي بقيت تبص له بقرف ودخلت الأوضة جوه وسابت بابها موارب.
وقفت بعيد عنه، حاطة إيدي في جيب العباية وبقيت أبص له ببرود تام، برود أقوى من البرود اللي صدمني بيه زمان:
ـ عايز إيه يا أحمد؟ إيه اللي يفكرك بيا بعد السنين دي كلها؟ مش روحت لحياتك الحقيقية؟
أحمد منهارش علطول، هو اتكسر حتة حتة قدامي. نزلت دموعه وبدأ صوته يترعش، وقرب خطوة وهو بيترجاني بإيده:
ـ أنا كنت غبي.. كنت أعمى يا أسماء! الوهم عماني، افتكرت إن الماضي هو الجنة ونسيت إن الجنة الحقيقية كانت في إيدي وأنا اللي رفستها برجلي. نادين طلعت كابوس.. طلعت مابتفكرش غير في نفسها، مابتحبش غير حالها، لا صانتني ولا شالتني ولا عرفت تعمل لي بيت زي اللي إنتي كنتِ عاملاهولي. أنا عشت معاها سنة أسود من القطر، وكل يوم كنت بنام فيه، كنت بشوف وشك وإنتي مستنياني بالأكل وبتتخضي عليا..
ضحكت ضحكة وجع قديمة بس مليانة قوة وقاطعته:
ـ ودلوقتي افتكرت؟ جاي تقولي الكلام ده بعد ما هديتني؟ بعد ما قولتلي اتعلمي تأكلي من غيري وماتستنينيش؟
أحمد نزل على ركبه في وسط الصالة.. المنظر صدم كبريائه اللي كان دايماً فوق كل حاجة. مسك طرف الكرسي اللي جمبه وهو بيبكي بحرقة وشهقات عالية:
ـ أبوس إيدك يا أسماء سامحيني.. أنا مش جاي أقولك ارجعيلي، أنا عارف إني مستاهلكيش ومستاهلش ضفرك، أنا بس هتموتني الحسرة لو مسمعتش منك كلمة “مسامحاك”. أنا حياتي اتدمرت، وشغلي باظ، والندم بياكل في قلبي وعقلي كل ثانية. ارجعيلي يا أسماء، اعتبريني خدام تحت رجلك، بس اِرحميني من نار الندم!
بصيت له وهو على ركبه تحت رجلي. اللحظة دي كنت دايماً بتخيلها في أول شهور الكسرة، كنت بتمناها عشان أشفي غليلي، بس لما حصلت.. ملقتش جوايا غير شفقة على إنسان ضيّع نفسه بإيده. مبقتش حاسة بغل، ولا كره، ولا حتى رغبة في الانتقام.
أخدت نفس طويل قوي، وقولتله بنبرة هادية وثابتة زي الصخر:
ـ قوم يا أحمد.. قوم عشان المنظر ده مايليقش بيك ولا بيّا. أنا مش هقولك إني دعيّت عليك، بس هقولك إن ربنا استجاب لدموعي اللي نزلت في ليلة فرحك. أنا سامحتك.. سامحتك مش عشانك، سامحتك عشان أسماء تستحق تعيش نظيفة من جوه ومن غير غل يشوهها. بس رجوع؟ إنت متخيل إن القصر اللي اتهد ممكن يرجع حتة أرض فضية تاني؟ إنت بقيت بالنسبة لي ماضي.. صفحة وانطوت واتقفل عليها، زي ما قولتلي بالظبط.
أحمد رفع رأسه وبصلي ودموعه مغرقة وشه، كان بيتمنى نظرة أمل واحدة، بس ملقاش في عيني غير الفراغ التام.
ـ كمل حياتك يا أحمد، وشيل شيلتك لوحدك زي ما أنا شيلت شيلتي لوحدي. ودلوقتي اتفضل.. عشان أبويا زمانه على الباب، وأنا مش حابة يوم الجمعة بتاعنا يتكدر بوجودك.
لفيت ضهري ودخلت المطبخ من غير ما أبص ورايا، وسِمعت صوت خطواته التقيلة وهي بتتحرك لباب الشقة، وصوت الباب وهو بيتقفل وراه.. المرة دي، اتقفل للأبد وهو سّايب وراه راجل مكسور، وست واقفه على رجلها بقوة وعمرها ما هتنحني تاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *