اكل جوزي

الدكتور كمل كلامه لندى وهو باصص في التحليل بأسف: “النسب دي مستحيل تكون لـ بنت في سنك وبتاكل أكل طبيعي.. السموم دي محتاجه شهور بتدخل جسمك بالتدريج وبجرعات منتظمة عشان تدمير الكلى يوصل للمرحلة دي من غير ما تحسي بأعراض مفاجئة.. أنتِ كنتِ بتاخدي إيه؟”

ندى كانت بتبكي بانهيار وجسمها كله بيتنفض، وصوتها طلع مخنوق وهي بتبصلي وعينها مليانة عتاب وكسرة: “أنا مباكلش من الشارع يا دكتور.. أنا بقالي ست شهور مباكلش غير أكل بيت.. أكل مروة اللي جوزها بيجيبهولها كل يوم بالثانية!”

الدكتور لف وبصلي بصدمة، وأنا حسيت إن حيطان المكتب بتلف بيا. النور اللي في عيني انطفى، والدم اللي هرب من عروقي مكنش خوف.. كان حقيقة مرعبة بتتشكل قدام عيني.

“سامح؟!” الهمسة دي طلعت من بين شفايفي بالعافية.

سامح اللي كان بيقيس المسافات بالساعة عشان الأكل يوصلي سخن.. سامح اللي كان بيحلف عليا أكل وميفوتش يوم.. سامح اللي كان بيقولي “الشطة بتنور الوش وبتنظف الجسم”.. مكنتش شطة! ده كان سم! سِم محطوط بجرعات بطيئة ومحسوبة عشان يـموتني بالبطيء من غير ما حد يشك فيه، والبهارات الحامية والشطة الكتير كانت مجرد غطاء عشان تغطي على طعم المادة الكيميائية وتداري أثرها في المعدة!

مروة.. أنتِ كنتِ عارفة؟” ندى صرخت فيا وهي بتمسكني من هدمي بضعف ودموعها مغرقة وشها: “أنا كنت ببدل معاكي عشان أريحك.. أنا بـموت مكانك يا مروة! جوزك كان عايز يـموتك أنتِ!”
​بنات المكتب كلهم اتلموا حوالينا، والصمت بقى سيد المكان.. نظرات الحسد والقر اللي كانت في عينيهم من ساعة واحدة، اتحولت لنظرات رعب وذهول. “الراجل اللي مفيش منه” طلع شيطان لابس قناع حنية.
​أنا مكنتش قادرة أنطق، دموعي نزلت زي المطر، وبصيت لورقة تحليلي السليمة.. صحتي اللي كانت “حديد” والكل بيحسدني عليها، كانت تمنها حياة صاحبتي اللي أخدت السم مكاني بالصوت والصورة.
​في اللحظة دي، عيني جت على ساعة الحيطة.. كانت الساعة واحدة وخمسة وخمسين دقيقة الظهر. خمس دقائق وسامح يوصل بالعلبة الحرارية الشيك، خمس دقائق ويقف عند الباب بابتسامته الساحرة ويقولي: “يا حبيبتي كلي الأكل وهو سخن، بالهنا والشفا”.
​مسكت تليفوني بإيد بتترعش، وطلبت رقم أخويا الكبير وصوتي كان طالع من قاع جحيم: “أحمد.. اطلب البوليس وتعالالي على الشركة حالا.. سامح بيقـتلني بقاله ست شهور.. وندى بـموت مكاني!”
​قفل السكة، ووقفت ورا باب الشركة وأنا مربعة إيدي، والدموع جفت في عيني وحل مكانها غل ورغبة في الانتقام.. ندى اتنقلت للمستشفى في عربية إسعاف، وأنا فضلت واقفة مستنياه.
​الساعة دقت اتنين الظهر بالثانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *