فقر النفوس والاصل الطيب الاخيره

كنا معزومين في بيت حماتي بمناسبة خطوبة أخت جوزي “منة”. اليوم ده كان ورايا شغل كتير جداً وتنظيف في شقتي، ونزلت مستعجلة ولابسة عباية قديمة وبسيطة وكنت متبهدلة وتعبانة من المجهود. أول ما دخلت، لقيت أهل خطيب منة قاعدين، ناس باين عليهم العز والمظاهر.
​منة أول ما شافتني بالمنظر ده، وشها اتقلب وبان عليها الإحراج قدام أهل خطيبها. بدل ما ترحب بيا أو تداري الموقف بأدب، لفت لأم خطيبها وقالتلها بنبرة متعالية وتريقة:
“معلش يا طنط.. دي الشغالة اللي بتنضف عندنا، دخلت فجأة من غير ما تقول.. روحي يا حبيبتي على المطبخ اعملي الشاي والقهوة وجهزي الحاجه!”
​في اللحظة دي، الدنيا لفت بيا.. الصدمة كانت أكبر من إني أستوعبها. عيني جت في عين جوزي “أحمد” وأنا كلي أمل وعشم إنه ينصفني، يصرخ في أخته، ويرد لي كرامتي قدام الناس دي ويقولهم دي مراتي مش شغالة!
بصيت له وأنا مذهولة والدموع محبوسة في عيني.. لكن الصدمة الكبيرة كانت لما أحمد وطى راسه في الأرض وسكت تماماً! سكت علشان ميكدبش أخته وميبوظش خطوبتها قدام أهل العريس على حساب كرامتي وكسرتي.
​دخلت المطبخ وأنا جسمي كله بيرتعش، ودموعي نزلت بغزارة.. كنت حاسة بذل ومهانة مفيش أصعب منهم. قفلت الباب عليا، ومسحت دموعي، وقررت إني مش هبين كسرتي لحد. غيرت هدومي بهدوم تانية كانت معايا في الشنطة، وخرجت برأس مرفوعة.
​وقفت وسط الصالة وبصيت لأهل العريس وبصوت واضح وثابت قولت:
“أنا بعتذر منكم يا جماعة.. الآنسة منة شافتني متبهدلة من شغل البيت فافتكرتني الشغالة.. بس أنا منال، زوجة أحمد أخوها، وصاحبة البيت ده زيي زيها.. وبصفتي زوجة الأخ الأكبر، برحب بيكم في بيتنا.”
​الصالة كلها سكتت، وأم العريس بصت لمنة بقرف وبصت لأحمد اللي كان وشه في الأرض من الخزي والعار. أم العريس وقفت وقالت: “اللي ملوش خير في أهله وملوش أصل يحترم بيه ناسه، ميتأمنش على بنات الناس.” وانسحبوا من الخطوبة والكل مشي.
​أحمد حاول يصالحني ويعتذر ويقولي: “كنت خايف الخطوبة تبوظ وأختي تتفضح”.. بس أنا قولتله: “اللي يضحي بكرامة مراته ويهينها علشان يداري على كدب وقلة أصل أخته، م يستاهلش يتقال عليه راجل.”
​لميت هدومي وروحت بيت أهلي، وعرفت إن المظاهر والفلوس بتروح وتيجي، بس الأصل النضيف وعزة النفس هما اللي بيعيشوا، واليوم ده كان الدرس اللي عرف الكل فيه قيمة كل واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *