جوزي كلمني الأخيرة

تسمّر الجميع في أماكنهم، ووقعت الكلمات على رءوسهم كالصاعقة. فوزية هانم تراجعت خطوة للخلف، وعيناها اللتان كانتا تشعان قسوة وتشفياً انفتحتا على وسعهما بذهول، بينما سقطت الفناجين من يد عمتهم لتتحطم على الأرض مصدرة صوتاً كسر هذا الصمت المطبق.
الدكتور أمين لم ينتظر ردهم، بل سحب كرسياً وجلس بمنتهى الهدوء، واضعاً حقيبته الجلدية على الطاولة أمامه، ثم نظر إلى وائل وقال بنبرة حازمة:
— “يا أستاذ وائل، المعمل اللي حضرتك عملت فيه التحليل أول مرة، اتصل بنا بشكل عاجل بعد ما اكتشفوا كارثة. السيستم عندهم حصل فيه اختراق وتبديل في أسماء العينات لـ 15 حالة في نفس اليوم. وبما إن مركزنا هو الجهة الرقابية المعتمدة، تم استدعائي فوراً لإعادة فحص العينات الأصلية يدوياً وبإشراف مباشر مني. والنتيجة قدامك.. ياسين ابنك صلب طولاً وعرضاً، جيناتك مفيش فيها شك بنسبة 99.9%.”
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن الروح عُرّجت إليّ من جديد. نَفَسي الذي كان مكتوماً خرج في شكل شهقة بكاء حارقة. نظرتُ إلى ياسين، الذي كان ينظر إليّ بعيونه البريئة ويمسح دموعي بأصابعه الصغيرة المتسخة بأثر العصير.
وائل وقف مكانه مذهولاً، ينظر إلى الدكتور أمين ثم إليّ، وكأن إدراك حجم الج*ريمة التي ارتكبها في حقي بدأ يتدفق إلى عقله. تحركت خطواته ببطء شديد، كأنه يمشى على زجاج مكسور، واقترب مني وعيناه تفيضان بالدموع.
حاول أن يمد يده ليلمس كتفي، لكنني تراجعت خطوة إلى الوراء. الصدمة مكنتش في التحليل الغلط.. الصدمة كانت في السهولة اللي صدقوا بيها إني ممكن أكون خاينة، في “الكمين” اللي اتنصب لي من غير ما حد فيهم يديني فرصة أدافع عن نفسي.
— “نورا..” نطق وائل بصوت مبحوح، ونزل على ركبتيه أمامي وأمام ابنه، “أنا آسف.. أنا غبي.. الشيطان عماني وأمي فضلت تزن في ودني من يوم ما الولد اتولد إنه مش شبهي.. سامحيني يا نورا، ارجعي معايا بيتنا.”
وهنا، التفتتُ إلى فوزية هانم التي كان وجهها يتلون بألوان الخزي، وقبل أن تنطق بكلمة، قلت لها بصوت قوي وثابت هزّ جدران الصالون:
— “بيتك اللي كنتِ عاوزه تطرديني منه يا فوزية هانم؟ أنا هخرج منه فعلاً.. بس هخرج بكرامتي، وبابني اللي كنتِ عاوزه ترميه في الشارع.”
نظرتُ إلى وائل وقلت له:
— “أنت صدقت ورقة، وكذبت شرف وعِرض الإنسانة اللي صانتك وصانت بيتك. الغلط مش في المعمل.. الغلط في قلبك اللي مقدرش يحميني.”
أخذتُ ياسين في حضني، وخرجت من البيت وأنا هامة القامة، وكل القرايب الـ 20 الذين كانوا جالسين للحكم عليّ، نكسوا رءوسهم في الأرض من الخزي والعار.
النهاية المفرحة.. بعد العاصفة
مرت ثلاثة أشهر..
رفضتُ خلالها العودة لوائل تماماً، ولجأت لبيت أهلي. طوال هذه الفترة، لم يمل وائل من محاولات الاسترضاء. كان يأتي كل يوم، يجلس تحت البيت في سيارته بالوجع والندم، يرسل رسائل اعتذار، ويبكي طالباً فرصة ثانية.
أما فوزية هانم، فقد أجبرها وائل على القدوم لبيت أهلي، واعتذرت لي أمام الجميع وهي تبكي نادمة على ما فعلته، معترفة بأنها هي من حرضت ابنها ووسوست له بسبب غيرتها من حب وائل الشديد لي.
لكن الأهم من الاعتذارات، هو أن وائل تغير تماماً. اشترى شقة جديدة تماماً في منطقة أخرى، بعيداً عن تحكمات والدته، وكتب نصفها باسمي، وباع سيارته ليضع قرشين في حساب ياسين بالمصرف لضمان مستقبله، كدليل على رغبته في بناء أمان حقيقي لي.
وفي يوم جمعة مشمس، يشبه ذلك اليوم الذي بدأ فيه كل شيء في المطبخ، كنت واقفة في مطبخي الجديد.. وياسين جالس على الرخامة أيضاً يدندن بلحنه السحري.
دخل وائل بهدوء، واقترب منا، ولمس يدي برفق وقال:
— “المطبخ ده نَفَسه أحلى بكتير.. عشان مليان أمان، وأوعدك مش هسمح لأي حد في الدنيا يغير النَفَس ده تاني.”
نظرتُ إليه، وشعرتُ أن المرارة التي في قلبي قد تلاشت، وحل محلها النضج والهدوء. ابتسمتُ له، وأعطيته ياسين ليقبله، وعاد الدفء يملأ بيتنا الصغير، بعدما أثبتت الأيام أن الحق لا يضيع، وأن البيوت المبنية على الصدق والكرامة لا تهدمها ريح العواصف العابرة.